فخر الدين الرازي
181
المطالب العالية من العلم الإلهي
في تقرير هذه الحجة ، على حكم البديهة « 1 » العقلية ، ثم وجدنا البديهة العقلية : حكمت بالفرق بين الصورتين ، فقد زال السؤال . وأما قوله ثالثا : « الهيولى ليس لها حجم ، [ ولا مقدار . وما كان كذلك ، امتنع حدوث الجسم عنه » فنقول : إن هذا يلزم على من يقول : إن هيولى الأجسام جوهر مجرد ، ليس له حجم « 2 » ] ولا تحيز ، أما من يقول : هيولى الأجسام هي الأجزاء التي لا تتجزأ ، وهي التي يسميها القدماء بالهباءات . فالسؤال زائل ، لأنه تقرر في عقل كل أحد : أن هذا القصر إنما تركب عن أجسام كل واحد منها في نفسه شيء صغير ، إلا أنه لما انضم البعض إلى البعض حصل « 3 » الجسم الكبير . وأما قوله رابعا : هذه الهيولى لا تخلو عن الحركة والسكون والاجتماع والافتراق . وهذه الأعراض حادثة ، وما لا ينفك عن الحادث فهو حادث . فسيأتي الجواب عنه في باب دلائل القائلين بحدوث الأجسام . أما قوله خامسا : « دعوى البديهة في محل الخلاف : باطل » فنقول : قد دللنا على أنه لا بد من الاعتراف بوجود العلوم البديهية ، ودللنا على أنه لا يمكن كون العلم بديهيا إلا الأمور التي تحكم بصحتها [ جميع « 4 » ] العقول السليمة ، وقد بينا : أن القول بأن هذا القصر العالي إنما حدث الآن من غير سابقة وجود الأحجار والخشب واللبن : قول يدفعه العقل ، ويقضي على قائله بالجنون . فيثبت : أن هذه المقدمة من المقدمات البديهية الضرورية . أما قوله سادسا : « لم لا يجوز أن يقال : إنا وإن قطعنا بعدم الوقوع ، أنا مع ذلك نحكم بجواز الوقوع » فنقول : هذا باطل . لأن الشيء إذا كان جائز الوجود ، وجائز العدم ، فلا يلزم من فرض وجوده ، ولا من فرض عدمه :
--> ( 1 ) بديهة العقل ( ط ) ( 2 ) من ( ط ، س ) ( 3 ) صار ( ت ) ( 4 ) من ( ط )